ابن الجوزي

83

صفة الصفوة

قلت : وكيف كانت سيرته في جلسائه ؟ فقال كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب ولا فحّاش ولا عيّاب ولا مدّاح يتغافل عما لا يشتهي ، ولا يؤيس منه ، ولا يخيب فيه مؤمليه ، قد ترك نفسه من ثلاث : المراء والإكثار ، وما لا يعنيه وترك الناس من ثلاث : لا يذم أحدا ولا يعيبه ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، وإذا سكت تكلموا ، لا يتنازعون عنده الحديث ، من تكلّم عنده أنصتوا له حتى يفرغ ، حديثهم عنده حديث أوّلهم يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما يتعجبون منه ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته ، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم ، ويقول : إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فارفدوه ، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام ( رواه الترمذي ) . وقد روى هذا الحديث أبو بكر بن الأنباري فزاد فيه : قال : فسألته عن سكوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : كان سكوته على أربع ، على الحلم ، والحذر ، والتقدير ، والتفكر ، فأما التقدير ففي تسوية النظر والاستماع من الناس ، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى ، وجمع له الحلم في الصبر ، ولا يغضبه شيء ولا يستفزه ، وجمع له الحذر في أربع : أخذه بالحسن ليقتدى به ، وتركه القبيح ليتناهى عنه واجتهاده الرأي في إصلاح أمته ، والقيام لهم فيما جمع لهم من خير الدنيا والآخرة . تفسير غريب هذا الحديث الفخم المفخّم : هو العظيم المعظّم في الصدور والعيون . والمشذّب : الطويل الذي ليس بكثير اللحم ، والرّجل الشعر : الذي في شعره تكسّر ، فإذا كان الشعر منبسطا قيل : شعر سبط وسبط والعقيقة : الشعر المجتمع في الرأس ، الأزهر اللون : النير . وأزجّ الحواجب : أي طويل امتدادهما لوقور الشعر فيهما وحسنه إلى الصدغين . فأما جمع الحواجب فله وجهان : أحدهما على مذهب من يوقع الجمع على التثنية ، والثاني : على أن كل قطعة من الحاجب تسمى حاجبا . وقوله : أقنى العرنين : القنا أن يكون في عظم الأنف احديداب في وسطه ،